الشيخ محمد تقي الآملي

262

مصباح الهدى في شرح عروة الوثقى

ولكن يبقى بعد شيء وهو إن صدور الفعل الاختياري عن إرادة الفاعل إن كان يكفى فيه الإرادة الاغتراسية الارتكازية بالمعنى الذي حققناه في مرحلة البقاء فلتكن كافية في صدوره في مرحلة الحدوث ، بمعنى كفاية تلك الإرادة الارتكازية في الشروع في الفعل وإن احتاجت حين الشروع في الفعل إلى الإرادة التفصيلية ، فلتكن محتاجا إليها في إتمام الفعل وحالة البقاء ، فالتفكيك بين حالة الشروع وحالة البقاء بالقول بالاحتياج إلى الإرادة التفصيلية في الأولى والاكتفاء بالاجمالية الارتكازية في الأخيرة مما لا سبيل إلى الإذعان به ولعل هذا هو المنشأ للذهاب إلى أن النية عبارة عن الداعي لا الاخطار ، وإن البحث عن الاستدامة الحكمية ساقط مع القول بالداعي ، وإنما هو على تقدير الالتزام بالإخطار . والذي عندي في ذاك المقام هو إن الإرادة أعني واقعها وما يتبعها من حركة العضلات وما هي تابعة عن مباديها كالعلم والميل والشوق بواقعها ومصاديقها كلها أمور ارتكازية غير ملتفت إليها عند المريد ، فالفاعل المريد حين فعله لا يتوجه الا إلى فعله بحيث لا يلتفت إلى علمه ولا إلى ميلة ولا شوقه ولا إرادته ولا حركة عضلاته ، بل لا يرى إلا فعله وما هو مراده من غير توجه منه إلى مقدمات وجوده منه ومبادي صدوره أصلا ، وجميع مبادي فعله حاضرة عنده أو صادرة منه كالمعنى الحرفي المغفول عنه وغير المتوجه إليه ، فلا تفاوت في نظره بين حالة الابتداء في الفعل وحالة البقاء عليه ، ففي كلتا الحالتين لا تكون الإرادة معلومة عنده إلا كالمعنى الحرفي ، فحديث الاستدامة الحكمية بالمعنى الذي ذكرناه - أي بالفرق بين ابتداء العمل وبين الأثناء بكون الإرادة التي هي بنفسها علم ومعلوم للنفس تفصيلية في الأولى واجمالية في الثاني - لا يرجع إلى محصل ، بل الحق أنها في الحالتين معلومة للنفس كالمعنى الحرفي بمعنى كونها مغفولة عنها تفصيلا ومتوجها إليها مرآتا إلى المراد ، بحيث لا يرى بها إلا المراد وإن شئت فعبر عما حققناه بأنها إجمالية في الحالتين ، وإن شئت فعبر أنها تفصيلية بما هي كالمعنى الحرفي ، والمآل واحد ، وهو انتفاء الفرق فيها في الحالتين ،